أحمد بن علي القلقشندي
37
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
هي العليا تقتصر ، وأقلامنا لنشر دعوتها في الآفاق تسهب ولا توجز وتطنب ولا تختصر ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف من قضت أمّته بالحقّ فعدلت ، وتلقّت عنه أحكام ملَّته ففاقت بذلك الأمم وفضلت ، وحكمت بما أراها اللَّه من شرعته فما مالت عن سننه القويم ولا عدلت ، صلَّى اللَّه عليه وعليه آله وصحبه الذين أسلموا للَّه فسلموا ، وعملوا في دين اللَّه بما علموا ، وبذلوا النفوس في طاعته فما استكانوا لما أصابهم في سبيل اللَّه ولا ألموا ، صلاة نؤدّي بها من أمر اللَّه المفترض ، ونرغم بإقامتها الذين في قلوبهم مرض ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإن أولى من تنقّل في رتبه السّنيّة ، ووطَّدت له بمصر والشّام قواعد سيرته السّريّة ، وأطلقت جياد اليراعة في إمضاء حكمه في المملكتين مثاني أعنتها وأنطقت صعاد البراعة في أعلاء بهائه فيهما [ السنة ] ( 1 ) أسنتها وأردنا أن نردّه إلى أعزّ الممالك علينا لنقرّ عينها ، وقصدنا أن نعيده إلى رتبته بها لنوفّي باستعادته دينها ، واخترنا أن نجدّد لهذه الوظيفة سالف عهده ، وأن نريه اعتتناءنا بأمر منصبه الَّذي لم يله مثله من الأئمّة من بعده ، وعلمنا أنّ الديار المصرية قد اختصت بفضائله زمنا طويلا ، وأن البلاد الشّاميّة قد ألفت من أحكامه ما لم ترد به بديلا - من ظهرت فضائله ظهور نعته ، وتهادت فوائده رفاق الآفاق : من علماء زمانه وأئمة وقته ، وعلمت أوصاف الصّدور الأول من علمه وورعه وسمته ( 2 ) ، ونشرت الأيام من علومه ما لم يطوبل تطوى إليه المراحل ، ونقلت الأقلام من فنونه ما روى فيروى به السّمع الظَّامي ويخصب به الفكر الماحل ، وألفت الأقاليم من حكمه ما غدت به بين مسرور بإشراقه ، ومروّع بفراقه ، فمن أقضية مسدّدة ، وأحكام مؤيّدة ، وأقوال منزّهة عن الهوى ، وأحوال صادرة عن زهادة محكمة القواعد ونزاهة مجتمعة القوى ، وإصابة دالَّة على ما وراءها من علم وورع ، وإجابة في الحقّ تحيا بها السّنن وتموت البدع ، وشدّة في الدّين تصدع
--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) السّمت : السكينة والوقار .